وفاء أبو موسى 25/4/1429
01/05/2008
"العنف وضعف الشخصية وجهان لعملة واحدة". حقيقة سيكولوجية أكّدها علماء التربية وعلم النفس؛ إذ إن الشخصية العنيفة تتسم بجمود في الأحاسيس، وهزال في توكيد الذات، وعدم اتزان في المشاعر، بالإضافة إلى ضعف القدرة في التعبير عن الذات وماهيّتها.
كما أن للشخصية العنيفة تاريخًا حافلًا في التنشئة الاجتماعية في أحد اتجاهين: إما تنشئة اتسمت بالدلال الزائد، أو تنشئة اتسمت بالتسلّط والدكتاتورية، وكلا الاتجاهين من الاتجاهات القاسية على الشخصية بشكل عام، وعلى الأطفال بشكل خاص.
التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة:
الأسرة هي مملكة الطفل الأولى، فيها ينمو ويكبر، والأسرة عبارة عن نظام تربوي اجتماعي، غالبًا ما يتكوّن من الأم والأب والأولاد، وحدود الأسرة، وفلسفة الأسرة التربوية، وهنا سأتناول الأخيرة بصفتها مربط عناصر هذا النظام التربوي الاجتماعي.
الفلسفة التربوية في الأسرة:
تشمل حدود الأسرة: أهي حدود مفتوحة فيها تبادلية في التأثير والتأثّر، أم حدود مغلقة ذات اتجاه واحد وليس متبادلاً؟ كما تشمل أيضًا ما يُسمّى بالمعاملة الوالدية، أي الطرق التي يعامل بها الوالدان أبناءهما، أو أساليب الوالدين في تربية و تنشئة الأطفال للمستقبل.
أربعة أنماط للتنشئة الاجتماعية في الأسرة
يندرج تحت التنشئة الاجتماعية للطفل في الأسرة أربعة أنماط، من المهم الوقوف عليها لكل أب وأم، وأيضًا لكل شاب وشابة مقبلين على الزواج. تلك الأنماط عبارة عن مخرج فيلم سينمائي ألا وهو الشخصية، ماذا وكيف ومن تكون؟
النمط التسلطي أو الديكتاتوري في التربية:
نمط يعتمد على مركزية السلطة، ويُطلق عليه في ثقافتنا العربية "السلطة الأبوية"، وفي عالم الأزواج (سي السيد).
المعاملة هنا تكون من طرف أعلى مسيطر قد يكون الأب، وهذا الوضع في أغلب الأحيان، وقد تكون الأم ذلك الطرف، وهذا في بعض الأحيان.
الخطورة في هذا النظام أن الطفل ينشأ في أجواء أسرية متسلطة، لا تتيح المجال للتعبير عن الذات وطموحاتها وماهيتها، كما تتربى الشخصية على أساليب القمع والعنف والخوف باستمرار، وتتسم شخصية هذا النظام بالتردّد والضعف وتتبنى أساليب العنف، للتعبير عن الذات، كما أنها شخصيات لا تستطيع اتخاذ القرار بنفسها؛ لأن عليها وصيّ يجب أن يوقّع موافقته كما يريد، وهنا الآباء والأمهات يريدون الأبناء نماذج مثالية، وألاّ أحد يعرف المصلحة سوى الطرف الأعلى؛ فيختار الأب للابن الزوجة ويختار للبنت الطريق، وما يُؤكل وما يُلبس أيضًا.
النمط الديموقراطي في التربية: "اللا محدود":
هذا النظام تستخدمه الأسر ذات المستوى الاقتصادي المرتفع، أو الأسر ذات الطفل الوحيد، أو الولد الوحيد، أو البنت الوحيدة، وهنا ينشأ الطفل في أجواء من الحرية المطلقة، ولا حدّ هنا للتقويم والتهذيب.
وخطورة هذا النظام تكمن في أن شخصية أطفال هذه التربية تتسم بالأنانية، والانتهازية، كما يصبح لدى تلك الشخصيات ما يُطلق عليه "كنْ فيكون، فيما يريدون"، وهم لا يتوقعون أن يرفض أحد مطالبهم، ورفض مطالبهم يعتبر إهانة تشبه الجريمة، والجريمة يعاقِب عليها القانون، فما بالكم بأمر هؤلاء الذين مطالبهم كنْ فيكون، كيف سيقابلون رفض الآخرين لمطالبهم..؟ أترك لكم الإجابة.
النمط المتناقض في التربية:
كتربوية وبشكل مهني وشخصي، أعتبر هذا النوع من أخطر الأنماط التربوية على شخصية الطفل، فالطفل ينشأ في هذا النظام لا أسود ولا أبيض، والرمادي غير مرغوب في حياتنا التربوية، كيف ذلك؟
سأعطى هنا مثالاً صغيرًا نراه جميعًا في أسرنا أو أسر معارفنا:
"عندما يبدأ الطفل بدايات النطق، نشجعه على كل شيء، على الكلمات الجميلة وعلى الكلمات السيئة، وماذا يحدث هنا؟ في حدث ما ينطق الطفل بكلمة سيئة، فيفرح الأبوان لمجرد تمكنه من النطق بها ويشجّعانه، وفي حدث آخر ينطق الطفل نفس الكلمة، فيجد سيلاً من الغضب والعقاب على شخصه، نتيجة نطقه لتلك الكلمة، وهنا هو لا يعرف أين الصحيح وأين الخطأ"!!
إذن، أسلوب التربية هنا متناقض.
مثال آخر: "تلعب الأم مع طفلها، فيقول الأب: (اضرب ماما حبيبي) فـ(يضرب ماما)، يفرح الجميع، ويبتسمون ثناءً عليه لذلك، في وقت مختلف يقوم الطفل بضرب أمه في موقف مشابه، ولكن هنا ينزل عليه العقاب".
مثال آخر: "نعلّم الطفل ألاّ يكذب، وأن الكذب حرام، يدق جرس الهاتف، بسرعة يقول الأب للطفل: (قول بابا مش بالبيت).
إذن الطفل الذي ينمو في هذا النظام طفل مسكين تائه، لا يعرف أي الطرق يسلك، فلا معالم واضحة لشخصه.
تكمن خطورة هذا النظام في أن شخصية الطفل تتسم بالجبن والتردد، وعدم القدرة على التفكير واتخاذ القرار المناسب، فمثل هذه الشخصيات غير مبادرة، وينقصها التخطيط والاجتهاد، وكل شيء تفعله بأمر من الآخر، ولا تستطيع أن تختلق لنفسها نشاطًا أو هدفًا، وتحتاج دومًا لمن يخطط لها ويدفعها للفعل.
نمط التربية الموجهة أو المرشدة:
نمط حث عليه الإسلام، وكان منهاجًا للتعامل في حياة رسولنا المصطفى الحبيب، عليه الصلاة والسلام، وهذا النظام يعتمد على القدوة الحسنة. وحسب نظريات التربية وسيكولوجية الشخصية فإن الطفل يتعلم من سلوك والديه ما ينقش شخصيته للأبد على نحو ما هم عليه، فكيف عندما تتسم سلوكيات وشخصية الوالدين بالقدوة الحسنة وبخير السلوك وبالحكمة، منهج الأقوياء، وتعتمد على احترام الشخص وتقدير ذاته، وعلى التوجيه وليس التلقين، وعلى التجربة والتعلم وليس على القمع والإجبار، هنا يُتاح للطفل أجواء تربوية سليمة، يتحرك من خلالها وفق حدود تربوية مرنة، تصقل شخصيته بمعايير أخلاقية إيجابية، وتتيح له أن يخطئ كي يتعلم، يختار ما يناسب شخصيته وفق إمكانيات الأسرة، ليتعلم معنى تحمل المسؤولية والشراكة في العطاء والالتزام بالواجبات ومنح الحقوق.
مقترحات تربوية هامة في نمو شخصية الطفل وتنشئته:
• استثمر طاقة طفلك:
لكل طفل طاقته الخاصة، حاول استثمار طاقة طفلك نحو الإيجابية، وامنحه فرصة اكتشاف قدراته، وطوّرها بالإمكانيات المتاحة، فلا يزعجك كثرة حركته وفضوله، استثمرهما لتنمية معرفته الشخصية، وطوّر من خبراته.
• تقبّل خطأ طفلك ولا تنهره:
عندما يخطئ الطفل علمه كيف يستفيد من الخطأ، هذا أفضل من أن تصبّ عليه غضبك وتنهره بقسوة.
• الاهتمام بالجلسات العائلية:
الجلسات العائلية من أهم أركان المساندة الأسرية، فهي تعلّم التراحم والمحبة والإيثار، وتعزز الانتماء لدى الطفل باتجاه والديه وأسرته، والجدير بالذكر أن هذه الجلسات كانت تتمتع فيها الأسر بشكل أفضل في السنوات الماضية، ولكن –للأسف- افتقدتها أسرنا في الزمن الحالي؛ نتيجة زيادة الضغوط الحياتية المعاصرة، وانعكس ذلك على الأسرة وأبنائها بشكل سلبي، لذلك أؤكد على أهمية التواصل الأسري من خلال الجلسات العائلية، والحوار المستمر مع الأبناء في قضايا الأسرة والحياة.
• تعلم الصبر:
تربية الأطفال تحتاج إلى الصبر، وأفضل طرق التدرب على الصبر هي أن تأخذ نَفَسًا عميقًا كلما ضاق صدرك من سلوكيات طفلك، وتأكد أن طفلك لن يتعلم من مرة أو من عشر مرات، بل يحتاج إلى تكرار التوجيه على مدار سنوات طفولته، فهذا يعده لمستقبل أفضل.
• امنح طفلك الدفء والاحترام:
الطفل بحاجة دائمة للشعور بالأمان، وهذا الشعور لا يأتي إلاّ بالمحبة ولمسات الدفء والابتسامة على أوجه الآباء، كما أن احترام الطفل يمنحه تعلم احترام الآخرين.
• شجع طفلك على القراءة:
استخدم قصة قبل النوم لترسلها إلى مسامع طفلك، ففيها عدة فوائد منها: أن الطفل يتعلم خلالها كثيرًا من القيم المفيدة والسلوكيات الإيجابية، كما أنّ تعوُّدَ طفلك على سماع قصة قبل النوم يدفعه -عندما يتعلم القراءة والكتابة- إلى أن يحب قراءة القصص، وينجذب لألوان لقراءة كافة، والتي بدورها تنمي معرفة الطفل، وتساعده على التمتع بالتفكير الإيجابي.
منقول