لقد انتهت أيام الرومانسية وشفافية الرؤي للأشياء بعد ان دخل في حياتنا دون استئذان ذلك الضيف الذي شاركنا الفراش والأحلام، وشطف من خيالنا جماليات الطيف.. ولا بين جمال كلوديا شيفر ودمامة ريا وسكينة!! فاختلط الجمال والقبح، وأصبح الايقاع اليومي للحياة أكثر سرعة من سرعة التدخل الأميركي في العراق.. ولم تعد الطبيعة تفرق بين غابات الأمازون وحدائق إشبيلية.. وتساوت النغمات الموسيقية حيث لم نعد نفرق بين سيمفونيات موازرت ونهيق العم شعبان!! إلي هذه الدرجة؟!
والآن أصبح الفرد منا يسافر عبر المدن والتخوم دون تأشيرة دخول في لحظات قبل ان يرتد إليه طرفه.. ليبحث في دفاتر الاسرار عن الزمن الذي مضي بعد ان حل العشق الالكتروني عبر الأسلاك الدقيقة محل دغدغت الحواس باللمس والهمس.. الملتهبة!!
والعشيقة تجلس هناك علي بعد آلاف الأميال مسترخية علي رمال شواطئ بحر البلطيق
ولذلك فإن الزمن أصبح أكثر واقعية.. ولم يعد لخيال المرء مساحة كافية لينظر في عيني حبيبته ويسافر عبرهما إلي عوالم تحمله فوق الغيوم الراحلة إلي البعيد.. فالإنترنت أصبح أكبر سرعة من الخيال.. وقد يجد الشخص من خلاله ألف عشيقة وعشيقة في انتظاره في فوضي الوقت المفتوح بين ضوء النهار وعتمة الليل!!
وفي ذات الوقت بدأت برامج الإنترنت تشكل خطورة حقيقية علي المرأة التي وظفها الرجل كزوجة في منزله، ومكمن الخطورة.. ان الوقت المفترض ان يكون لها لمداعبتها وتهيج المناطق الحسية فيها، أصبح مكرساً للإنترنت الذي استحوذ علي تلافيف عقله، وأصابعه ممتدة ما بين الكي بورد وساندوتش الهامبرجر !! بدلاً من اللعب علي أوتار أعصابها وتهيئتها لمشاهد درامية ورومانسية تحت الضوء الخجول!! وهنا تلعن الزوجة الحائرة سنسفيل جدود من اخترع هذا الجهاز العجيب.. وتتمني ان تكون لها ضرة أخري تقاسمها زوجها في البيت والهواء.. والمحفظة، وتتآمر معها أحياناً ضد الزوج العزيز وذبحه من الوريد إلي الوريد وتقطيع أوصاله ووضعه في عدد من الأكياس البلاستيكية لتطعمه لقطط الليل والكلاب الضالة!!
ولأن لغة الزوجة معطلة مع الكمبيوتر فإنها تجلس طمعاً لأن يلتفت إليها الزوج بنظرة عابرة تزيل كآبتها الداخلية.
وعموماً أنا لا أجد سببا واحدا يدعوني إلي التفاؤل بمستقبل البشرية في هذا القرن، والذي يقلقني حقا ذلك التسارع المحموم في المخترعات والاكتشافات العلمية. لأننا جميعاً وبعد سنوات قليلة سنجد أنفسنا عديمي الفائدة ويكتسحنا الخمول والكسل وأكل البصل!! لأن مخترعات الروبوت ستعم مجمل نواحي الحياة لأنه سيقوم بعمل المكتب وطبخ الطعام وكنس الأوساخ وربما يقوم بوظيفة المرأة في الفراش!! وهنا تظهر الطامة الكبري!! لأن متعة الفراش نوع خاص من المتعة وتخضع لعوامل صراع الجسدين والعرق والأنفاس المتقطعة وتخيل نفسك راقداً في الفراش مع روبوت!!.
وأما عمليات الاستنساخ فقد تمت بنجاح واستنسخ لنا العلماء عددا من النعاج والقرود.. وهم في طريقهم الآن لاستنساخ عدد من البشر كتجربة.. وإذا تمت تلك العملية بنجاح عزيزي القارئ فهيئ نفسك لأسوأ الافتراضات عندما تصحو باكرا من النوم وتجد نسخة أخري من زوجتك الأصلية ياااا ويلك؟! ويا للهول، وبنفس الملامح والشبه والنتوءات القمرية والشعر المنكوش وثقل الدم والمساجة.. ويتحدن ضدك ليقلبن ليلك نهارا ونهارك ليلاً!! وعينك ما تشوف إلا النور!! وليس أمامك سوي حلين.. أولهما ان تبحث عن امرأة لتصبح عشيقة طبعا هناك فرق كبير بين الزوجة والعشيقة فالزوجة روتينية اما العشيقة متجددة.. الزوجة تقليدية.. والعشيقة موردن..!! الزوجة ذات فستان واحد.. والعشيقة لها ألف جسد..!! الزوجة لها رائحة المطبخ.. والعشيقة لها رائحة البارفان الباريسي!! أما الحل الثاني فهو الانتحار بالطريقة اليابانية!! عندما تجد نفسك تعيش مع زوجة من نسختين!! والنصيحة المعمول بها في زمن الإنترنت والاستنساخ هي: ألف عشيقة ولا زوجة واحدة من نسختين!!
أما المخاطر الأخري التي تهدد حياة البشرية فإنها لن تحصي ولن تعد.. إذا ما اجتهد أعداء الحياة وبرعوا في اختراع الأمراض غير المعروفة والفيروسات القاتلة.. هنا يتوقف جريان الأنهار وتموت الأسماك مختنقة في الماء!! وتنتحر الغابات وتنسحب الحياة بعيدا عن طبيعتها.. ويكون الجنون والتهور والاستهتار سمة يومية، وتصبح الأحلام كوابيس، ويفقد الأطفال براءتهم وتتحول أنوثة المرأة ألواح ثلجية!! وما علينا إلا ان نقف في محطة الموت الجماعي.