هام للجميع . لاتتردد بالابلاغ عن اي عضو يقوم بعمل اعلانات لمنتديات اخرى بالخاص وستكون هناك مكافآت لكل من بلغ عن رساله خاصه مخالفه لنكن يدآ واحدة لنجاح ورقي المنتدى .
تنبية لجميع الاعضاء : اتق الله في توقيعك وصورتك الرمزيه يمنع منعا باتا وضع صور نساء مخله بالاداب والحياء ايضا يسمح لكل عضو بموضوع في كل قسم في اليوم الواحد
تنويه مهم بخصوص الاسماء والالقاب ممنوع منعا باتا تغييرها ولن يتم الرد على اي موضوع او رساله خاصه بخصوص هذا الموضوع يرجى عدم الاحراج
هناك امرأة بالباب تريد مقابلتكِ يا سيدتي
- وما الغريب بالأمر ... هل هي المرة الأولى ؟ دعيها تدخل .
- أمركِ يا سيدتي .. ولكن مظهرها غريب , ظننتها في باديء الأمر جاءت تطلب إحسانا , ولكنها أصرت على مقابلة مديرة المدرسة , وتدعي أنها أم لإحدى الطالبات ولكني ..
- يا لكِ من ثرثارة .. أغلقي فمكِ واذهبي لإحضارها
خرجت العاملة فورا وأغلقت الباب خلفها
واستدارت نوال مرة أخرى ... وعادت تتطلع من خلال النافذة
وأحست بحركة خلفها , فاستدارت .. فوجدت امرأة تقف الى جوار الباب وقد أطرقت برأسها الى الأرض .
كانت ضئيلة الحجم .. ونحيلة الى درجة كبيرة .
بالتأكيد هي غريبة عن البلاد .... ولكن من أين جاءت ... من موريتانيا ؟ لا يبدو ذلك , من الهند ؟ لا أظن , ربما جاءت من ماليزيا ؟ .... ليس لي شأن بها . يالها من إنسانة غريبة الشكل .
لماذا لم تشعريني بوجودك من قبل ؟؟ ولم ترد المرأة . ورفعت رأسها , وأخذت تتطلع إليها في بلاهة شديدة .
هل أنتِ خرساء ؟؟ .... اقتربي هنا ... ماذا تريدين ؟؟؟
اقتربت المرأة بخطوات صغيرة بطيئة , ووقفت أمام المكتب , وحاولت أن تبتسم فزاد ذلك من بلاهتها , وقالت : السلام عليكم .
- للمرة الأخيرة ... من أنتِ وماذا تريدين ؟؟؟
- أريد أن أرى ابنتي .... أنا أمها ... ابنتي أنا ....هنا في المدرسة .
كانت تتكلم بصعوبة ولكنة شديدة يصعب فهمها . وكانت تهز رأسها وتحرك يديها مع كل كلمة حتى تساعد في التعبير عن مقصدها
- وما اسمها ...ما اسم ابنتك ؟
- إسلام ... إسلام عبد المجيد .
- ماذا ؟ ... إسلام عبد المجيد ؟ اسلام ابنتكِ أنتِ ..؟؟؟ ... معقول !!!
وما ان سمعت المرأة هذه الكلمة , حتى اندفعت كالمجنونة تجاه المديرة , وأخذت تقبل يدها ورأسها وهي تصيح :
- ابنتي أنا ... أريد أن ارى ابنتي أنا ... أنا أمها ... إسلام ابنتي أنا ...
- ابنتي أنا .. أريد أن أرى ابنتي ... أنا أمها ... إسلام ابنتي أنا ..
وكانت المديرة تدفعها دفعا بعيدا عنها .. وقد أصابها شيء من الخوف .
- لنرى ... لنرى .. سوف أحضرها لكِ .. فقط اجلسي بعيدا عني .
وراجعت المديرة أوراقا أمامها , وهي تراقب المرأة في حرص وخوف .
- إسلام لم تحضر اليوم على المدرسة . تستطيعين الحضور غدا ان أردتِ رؤيتها .
فاندفعت إليها المرأة مرة ثانية , وجثت على ركبتيها , تحاول أن تقبل قدميها , وهي تصيح في وله شديد :
- ابنتي أنا ... ابنتي أنا ... أنا أمها ... اسلام ... أنا أمها ... ابنتي أنا ... دعيني أراها ... أسألك بالله ابنتي ... دعيني أرى ابنتي ...
- صدقيني لم تأتِ اليوم الى المدرسة , ولكن أعدكِ إذا أتيتِ غدا فسوف تتمكنين من رؤيتها ... ليس بإمكاني عمل أي شيء الآن .
وأسقط في يد المرأة , وانخرطت في بكاء مرير , وتكومت على أرض الغرفة تنتحب في بؤس شديد .
كانت تبدو تعسة حزينة الى أبعد الحدود , ثم أخذت تئن أنينا خافتا وتتمتم :
- خمسة عشر عاما لم أرها , خمسة عشر عاما وأنا أعيش على أمل أن أراها . أين هي بالله عليكِ ابنتي ... ابنتي أنا ؟؟؟
- خمسة عشر عاما ؟؟؟ .... واين كنتِ طوال هذه المدة ؟؟؟
لقد أتيت من بلاد بعيدة ... من جزيرة جاوة . هل تسمعين عنها ؟؟إنها بعيدة جدا . حضرت لأرى ابنتي . لقد أخذها أبوها بعيدا عني وهي في الثالثة من عمرها . دعيني أراها ... دعيني أراها
وأحست نوال بغصة في حلقها من شدة الإنفعال , وانحنت على المرأة , ورفعتها عن الأرض , وأمسكت بيديها وأخذت تتطلع إليها .
كانت لا تزال تبكي , وفي عينيها نظرة حزينة ذليلة تعسة . كان لها وجه رقيق ناعم , بدا جميلا بالرغم من شحوبه .. كل ما فيها صغير , أنفها .. فمها .. عيناها , وكفاها صغيرتان ناعمتان , بدت ملابسها نظيفة إلى حد كبير بالرغم من أنها تبدو بالية من كثرة الإستعمال وأعيد إصلاحها هنا وهناك في أماكن متعددة . كانت ترتدي إزارا طويلا , ملونا , ضيقا الى درجة يتعذر السير معه , وبدا خصرها نحيلا وعظامها بارزة من الجانبين , وكانت تخفي جزءا من شعرها وكتفيها بغطاء أبيض رقيق . وظهر شعرها من الأمام , أسود كالليل , شديد النعومة .
- اسمعي , لابد ان تهدئي , ليس في يدي أي شيء الآن . وهذا وعد مني , إذا أتيتِ غدا سوف تتمكنين من رؤيتها , سوف أتصل بإسلام شخصيا حتى أتأكد من حضورها غدا . اذهبي الآن , وغدا صباحا ستكون ابنتكِ في انتظاركِ في هذه الغرفة .
ونظرت المرأة إليها نظرة عاتبة , غير مصدقة , ثم أخذت تتطلع حولها , وفجأة انفلتت من يديها , والتقطت مصحفا من فوق المكتب وضعته على رأس نوال وهي تقول :
- مصحف شريف ... كتاب شريف ...
وفهمت هذه مقصدها , والتقطت منها المصحف وأمسكته بيدها وقالت :
- ها أنا أقسم لكِ أنني سأعمل ما بوسعي لتتمكني من رؤية إسلام غدا , كوني مطمئنة , أرجوكِ أن تذهبي الآن ... اذهبي وعودي غدا ..
وبدا على المرأة شيء من الطمأنينة , ولم تجد بدا من الإنتظار الى الغد . لقد انتظرت خمسة عشر عاما , أفلا يمكنها الإنتظار يوما آخر . واستدارت في خطوات بطيئة وغادرت الغرفة
لم تستطع نوال ان تتوقف عن التفكير في المرأة طوال النهار . وفي اليوم التالي بكّرت في الذهاب الى المدرسة .
وما ان هبطت من العربة حتى فوجئت بها تقف أمام الباب . ياللمرأة التعسة ... ماذا تفعل في هذا الوقت الباكر ؟؟ وصاح الحارس : - هل تصدقين سيدتي ؟؟ لقد قضت هذه المرأة الليل بطوله على وقفتها هذه أمام الباب !!!
ونظرت إليها ... كانت تبدو أكثر شحوبا من ذي قبل .
وما ان اقتربت منها حتى بادرتها هذه قائلة :
- لا تنسي ... مصحف شريف
وابتسمت نوال , واصطحبتها الى الداخل .
سارت معها في طرقات المدرسة ممسكة بيدها وهي تتلفت حولها وما لبثت أن سألتها : - أين هي ؟؟ أين إسلام ؟؟
فقالت نوال : لم تحضر بعد .
فابتعدت المرأة فجأة وصاحت : - لقد قلتِ غدا ... قلتِ احضري غدا , مصحف شريف .
- وبعدها معكِ ... ألا ترين المدرسة خالية من الطالبات . هل تريدين من ابنتكِ أن تبيت هنا ؟ إن لكِ ابنة جميلة ناعمة , سترينها بعد قليل , سترينها خلال الساعة القادمة .
- ساعة ؟ ..... ساعة أخرى ؟ .... هل سأنتظر ساعة أخرى ؟؟؟ ..... لا ... لا أستطيع ... لا .. أريد أن أراها الآن ... الآن ...
وأخذت تبكي في جنون .. وتضرب رأسها بكفيها .
- لا بد أن تهدئي وتكوني عاقلة , ألم تفكري لو ان ابنتكِ رأتكِ على هذه الحالة كم ستتألم ؟؟ هل تريدين لإسلام أن تتألم ..؟؟؟ هل تريدين ان تسببي لها الحزن ؟؟؟
وذعرت المرأة لهذه الكلمات . فجففت دموعها سريعا .. وهي تقول : لا ... لا ...سأنتظر ... سأنتظر , لن اجعلها تحزن أبدا .. لن اجعلها تتألم
وسارت خلفها طائعة حتى غرفتها .
لم تمض نصف ساعة حتى كانت ساحة المدرسة تضج بالطالبات . فتيات صغيرات يخطون حثيثا نحو الشباب . زهرات تتفتح للدنيا .. ممتلآت بالحيوية وحب الحياة , لا يتوقفن عن الحركة واللعب , وضحكاتهن تملأ المكان .
انتظرت المديرة حتى دخلت الطالبات الى الفصول , وانتظمت الدراسة , وأرسلت في طلب إسلام .
كانت المرأة طوال هذه المدة تجلس صامتة على أرض الغرفة في مواجهة الباب , لا ترفع عينيها بعيدا عنه , وكلما دخلت فتاة حملقت في وجهها , وبدت كالمتحفزة , ثم تنظر الى المديرة متسائلة , وكلما مر الوقت ازداد ارتباكها . وبدت أكثر تحفزا , وأكثر توترا .
وفجأة ... دخلت الى الغرفة فتاة طويلة .. ناعمة .. رقيقة
- ادخلي يا إسلام واغلقي الباب خلفكِ .
صرخت المرأة من أعماقها صرخة أفزعت الفتاة . فوقفت جامدة في وسط الغرفة تنظر إليها , والمرأة تحملق فيها فاغرة فمها كالمشدوهة , وللحظات طويلة لم تبد حراكا , وبعد قليل أفاقت لنفسها , وحاولت النهوض فلم تستطع , وخذلتها قدماها , فسقطت على الأرض مرة أخرى , وأخذت تزحف على ركبتيها وهي تلهث , وتخرج أصواتا أشبه بحشرجة الموتى , حتى وصلت الى حيث تقف الفتاة فاحتضنت ساقيها بقوة , ودفنت رأسها فيهما , وأخذت تقبلها في وله شديد , وهي تنتحب وتئن وتتمتم :
- إسلام ... ابنتي .. يا حبيبتي ... ابنتي انا ... يا حبيبتي ... يا حبيبتي , إسلام .. ابنتي أنا ....
وسقطت مغشيا عليها
أسرعت المديرة إليها , وكانت الفتاة راكعة بجانبها تنظر الى وجهها وقد أخذتها المفاجأة . وبدون أن ترفع عينيها سألت في صوت ضعيف : - من هي ... هل هي ... ؟؟؟؟
- اسمعي إسلام .... أعرف أنكِ فتاة عاقلة ... لقد حضرت هذه المرأة أمس فلم تجدكِ , وباتت ليلتها أمام باب المدرسة تنتظر حتى الآن حتى تتمكن من رؤيتك , لقد قالت لي أنها ... أمكِ .
كانت كل خلجة في وجه الفتاة تنم عن مدى ما تشعر به من ألم وانفعال . كانت ترتعش كالعصفور الصغير , بدت مذهولة , فقد كان الموقف أكبر من احتمالها .
- ولكن كيف ؟؟؟ إن أمي قد ... أقصد أبي قال إن ....
- قال إن أمكِ قد ماتت في صغرك ... أعرف هذا . ولكن صدق مشاعر هذه المرأة وهذا الشبه العجيب بينكما , هذا الشبه الذي لا يمكن أن تخطئه العين , جعلني أؤمن أنها أمك . لقد ولدتكِ في جزيرة جاوة , وأبعدكِ أبوكِ عنها وأنتِ في الثالثة . لقد تعذبت كثيرا حتى تحضر لرؤيتك , أرجوكِ أن تتصرفي معها بحكمة , أرجوكِ أن تكوني رقيقة معها .
ووضعت الفتاة كفها على وجه المرأة وأخذت تتحسسه ....
- أمي ... هذه أمي ... أعرف أنها أمي .... قلبي يحدثني أنها أمي ...
وانحنت على المرأة وقبلتها وهي تردد :
- إنها أمي ... أعرف أنها أمي , وانسابت الدموع على خديها
- أفيقي يا أمي ... أفيقي ... أرجوكِ أن تفيقي ... , ولم تتمالك نفسها , فانكفأت على المرأة تقبلها وتبكي
الحلقة الثانية
لم تستطع نوال ان تفعل شيئا . ولم تستطع أن تحتمل أكثر من ذلك , فاندفعت من مكانها تجاه النافذة , ووقفت هناك وظهرها للفتاة .
أخذت تضغط بكلتا يديها على إطار النافذة وهي تحاول جاهدة أن تحبس دموعها , وان تخفي انفعالها .
كانت تكره أن يراها أحد وهي تبكي , أو وهي متألمة . كانت تعتبر أن هذه الأحاسيس أن البكاء دليل على الضعف .. وهي تكره ان تكون ضعيفة .
وكانت ام إسلام تجلس في أحد جوانب الغرفة وقد احتوت ابنتها بين ذراعيها , وكأنها تحاول أن تخفيها بداخلها , كان وجهها مشرقا , والسعادة تشع من عينيها , وكأنها لا تصدق نفسها , وكانت تمسح على شعر ابنتها وكتفها , وتربت على رأسها بحنان بالغ , وبين حين وآخر كانت تقبلها بحب وشوق لا يوصف .
أما الفتاة فلم تكف عن البكاء .
وأبعدتها المرأة قليلا عنها ... واحتضنت وجهها بين كفيها وأخذت تتأملها .
- إنكِ جميلة جدا يا إسلام ... لم أر في حياتي فتاة أجمل منكِ , كيف يمكن أن تكون لي ابنة جميلة لهذه الدرجة ؟ ! ولكن أخبريني , لماذا تبكين ؟ هل أنتِ حزينة ؟ ألستِ سعيدة مثلي ؟ انظري إلي يا ابنتي .. أنا أمكِ .. هل تحبينني ؟ أخبريني يا صغيرتي ألا تحبينني ؟
- نعم أحبكِ ... أحبكِ كثيرا وافتقدتكِ كثيرا , ولكن لماذا تغيبتِ طول هذه المدة, أما كان يمكنكِ الحضور قبل هذا من أجلي ؟ لماذا يا أمي ... لماذا تركتيني أعيش طفولتي وحيدة يتيمة وأنتِ على قيد الحياة ؟؟
وعادت المرأة فاحتضنتها بين ذراعيها بقوة , وأخذت تقبلها , وقالت وهي تبكي :
- ماذا أقول لكِ .... إن أحدا في العالم لا يمكن ان يتصور كم تعذبت وكم قاسيت . لقد مرت علي أيام كثيرة فكرت فيها جديا أن أتخلص من حياتي . إن الأمل في أن أراكِ , هو السبب الوحيد في بقائي على قيد الحياة إلى الآن .
واعتدلت المرأة قليلا , وأدخلت يدها تحت صدرها وأخرجت منديلا حريريا مطويا , وضعته على الأرض وأخذت تفكه بعناية وحرص شديد .
كان بداخله صورة صغيرة بحجم الكف , تأملتها للحظات بحب , ثم ناولتها لإسلام .
- انظري يا ابنتي ... انظري إلى هذه الصورة .
ونظرت إسلام , كانت صورة لرجل وامرأة وقفت بينهما طفلة صغيرة .
وصاحت الفتاة : - هذه صورة أبي , أليس كذلك يا أمي ... وهذه أنا , نعم هذه صورتي وأنا طفلة . وهذه السيدة ؟؟ يا إلهي ... كم كنتِ جميلة يا أمي .. كم كنتِ رائعة ....! وصمتت قليلا ونظرت إلى أمها وقالت في حزن : - لكم تغيرتِ .. يا حبيبتي , ماذا فعلت بكِ الأيام ؟؟
- لا عليكِ لقد أصبحت امرأة عجوزا .
- لا تقولي هذا , أعرف أنكِ لا زلتِ شابة . آه يا أمي كم تعذبتِ !! لماذا لم ترسلي بخطاب إلى أبي , لماذا لم تحاولي الإتصال بنا ؟
- لقد فعلت , أرسلت له عدة مرات خطابا تلو الآخر ولكن يبدو أن أباكِ كانت لديه مسؤوليات كثيرة , ولم يكن لديه الوقت .. أقصد أنه ربما ...
- يا إلهي ... لم أكن أعلم أن أبي بهذه القسوة .. لم أكن أعلم
- لا تقولي هذا .. إنه أباكِ يا ابنتي .. ولا تنسي أن الحق معه , إن رجلا عظيما مثل السيد عبد المجيد لا يليق أن تكون له زوجة مثلي .
- تدافعين عنه .. بعد كل ما فعله بكِ تدافعين عنه ؟؟!
- دعينا من هذا كله الآن .. فقط دعيني أنظر إليكِ . صدقيني .. عندما رأيتكِ سامحته , ونسيت كل ما حدث , ليس هناك امرأة في العالم أسعد مني الآن , ارجوكِ يا ابنتي لا تجعليني أشعر أنني قد كدرت صفو حياتك , صدقيني لقد نسيت كل شيء
- إن كنتِ قد سامحتِ , إن كنتِ قد نسيتِ , فكيف لي أن أنسى ...؟؟ لقد عشت عمري أتمنى لو كانت لي أما لها نصف حنانك . كنت في أشد الحاجة إليك يا أمي , ولكني رضيت بقدري وصبرت , صبرت يا أمي . ولكن بعد أن رأيتكِ . بعد أن أحسست بلذة الشعور بالدفء والحنان بين يديكِ , بعد أن أحسست ولأول مرة في حياتي بهذا الحب الدافق يخرج من أعماقي , ويخرج من أعماقكِ , شعرت بالندم على أيام عمري الضائعة , لقد حرمني منكِ طوال هذه السنين , ولن أسامحه يا أمي .... لن أسامحه ما حييت .
وسادت فترة من الصمت بينهما .
- هيا يا أمي .. قومي معي إلى البيت , سوف أبيت الليلة بين أحضانكِ , هيا يا أمي لا تضيعي الوقت , يكفينا ما ضاع من العمر .
وظلت المرأة على صمتها وقد غشت وجهها سحابة من الحزن .
- اسمعي يا ابنتي , إن كنتِ تحبينني حقا فلا تطلبي مني الذهاب معكِ . لا أريد أحد أن يعرف أني حضرت إلى هنا أو أني رأيتكِ .
- تقصدين أبي ...؟؟
- نعم . لو عرف أبوكِ فلن يغفر لي أبدا . وربما منعكِ من الحضور الى المدرسة أو عمل على ترحيلي من البلاد , أرجوكِ يا ابنتي .
- لا يا أمي لن أدعكِ تذهبين , سوف نعود سويا الى البيت . إنه بيتكِ يا أمي , إنه منزلكِ , ولن يستطيع أبي أن يعمل شيئا , سوف أمنعه , سوف أمنعه.
- بل يستطيع .... يستطيع يا ابنتي , أنا أعرفه جيدا , لو كنتِ تريدين حقا رؤيتي كل يوم , لو كنتِ حريصة بالفعل على الا تحرميني منكِ مرة أخرى , فلا تدعيه يعرف بوجودي أبدا , ولا تشعريه أنكِ قد رأيتني مطلقا .
وصمتت إسلام ولم تجب
- عديني يا ابنتي , عديني حتى يطمئن قلبي .
وبدت الفتاة كالمستسلمة , وقالت بصوت حزين :
- أعدكِ يا أمي ... أعدكِ يا أمي
عندما وصلت إسلام إلى المنزل , لم يكن والدها قد عاد بعد من الخارج , صعدت الى غرفتها سريعا , وألقت حقيبتها جانبا . وأغلقت الباب جيدا , ثم ارتمت على فراشها منهوكة القوى .
كانت صورة أمها بوجهها الرقيق ونظرتها الحانية تملأ روحها وكيانها , ولا تفارق مخيلتها .
بعد خمسة عشر عاما يا إسلام ... بعد خمسة عشر عاما من الوحدة واليتم , أخيرا لكِ أم ...
سامحك الله يا أبي .....
ومالت قليلا , واحتضنت وسادة صغيرة بجانبها .
آه يا أمي ... كم أحبكِ , كم أنتِ رائعة , ليتكِ كنتِ بجانبي الآن , أين أنتِ , وماذا تفعلين ؟ يا إلهي !!! لقد نسيت أن أسألكِ أين ستبيتين الليلة ؟؟ آه يا حبيبتي ... آه يا أمي !
وأحسّت بخوف وألم يعتصران قلبها , فانخرطت في بكاء مرير .
وفجأة .... وبينما هي على هذه الحال , سمعت صوتاً كالإنفجار , وفتح باب غرفتها على مصراعيه , وفزعت الفتاة , وقفزت من مكانها .
كان السيد عبد المجيد يقف على باب الغرفة والشرر يتطاير من عينيه , وقد أمسك بأمها وقد تمزقت ملابسها والدم ينزف من أنفها وفمها , وأخذ يجذبها من شعرها , ويسحبها على الأرض تجاه النافذة , ويركلها بقدميه , وهي تصيح من شدة الألم .
وصرخت الفتاة , واندفعت إليه كالمجنونة تحاول تخليص أمها , فدفعها أبوها بقوة , فسقطت بعيدا على الأرض وارتطم رأسها بالحائط .
وقبل أن تستطيع النهوض مرة أخرى اندفعت الى داخل الغرفة ثلاثة كلاب متوحشة , أشار إليها أبوها إشارة معينة , فهجمت على أمها تحاول أن تنهش لحمها , وإسلام تصرخ في فزع شديد .
ولكن الكلاب ما لبثت أن اندفعت مرة أخرى مسرعة إلى خارج الغرفة . ولم تفهم إسلام ما حدث , حتى سمعت صرخة مدوية أطلقها السيد عبد المجيد .
كان يقف وسط الغرفة يحاول تخليص رقبته من ثعبان ضخم إلتف حولها , كان يجاهد بكل قوته دون فائدة والثعبان يزداد إلتفافا حوله . وفي النهاية سقط على الأرض وقد احتقن وجهه وجحظت عيناه .
واندفعت إسلام تحتضن أمها في خوف شديد .
- هيا يا أمي ... هيا نخرج من هنا ... هيا نذهب بعيداً .
ولكن أمها لم تبد حراكاً . كانت تنظر إلى زوجها كالمشدوهة , والفزع يرتسم على وجهها , ولم تلبث أن اندفعت إليه تحاول تخليصه من الثعبان .
- اتركيه يا أمي ... دعينا نذهب بعيدا ...
ولكن المرأة أخرجت من صدرها مدية صغيرة وأخذت تضرب بها رأس الثعبان .
وعادت إسلام تجذب أمها : - اتركيه يا أمي ليموت , إنه لا يستحق الحياة .
وأخذت تصرخ بجنون : - هيا يا أمي ... هيا يا أمي ... اتركيه قبل أن يقتلكِ الثعبان أنتِ الأخرى , هيا يا أمي ...
وأفاقت الفتاة من نومها فزعة وهي لا تزال تصرخ ... واعتدلت في فراشها وأخذت تنظر حولها وهي لا تصدق نفسها , كان قلبها يخفق بعنف ويداها ترتعشان .
لم تعرف كم مضى عليها من الوقت وهي نائمة ... ونظرت إلى ساعتها , يا إلهي !!! لقد مضى أكثر من ساعتين
قامت إسلام لتوها ... وغيرت ملابسها سريعا , وهبطت الى الطابق السفلي
ورآها الخادم العجوز ...
- إسلام .... لماذا لم تتناولي طعامكِ الى الآن يا ابنتي ؟
- لا أشعر بالجوع , ليست لدي أي شهية للطعام يا محسون . ولكن أخبرني .. هل عاد أبي من الخارج ؟؟
- منذ أكثر من ساعة , كان في زيارة الطبيب , لقد تناول طعامه بمفرده , إنه يقرأ في غرفته كالعادة .
عندما دخلت إسلام , لم ينتبه لها والدها فاتجهت إلى أحد الأركان وتناولت كتابا من جانبها . وأخفت وجهها فيه . لم تكن لديها أي رغبة في القراءة , ولكن كانت لديها رغبة شديدة في مراقبته .
كان الرجل قد اتخذ مجلسه في أحد جوانب الغرفة فوق واحد من تلك الفرش الصغيرة . وكانت إحدى ساقيه ممدودة وقد ثنى الأخرى فوقها , واتكأ بأحد مرفقيه على وسائد حريرية وقد انهمك في قراءة صحيفة بين يديه بينما أمسك بمبسم عاجي طويل . متصل بأرجيلة مذهبة , يزيد طولها عن المترين , وبين حين وآخر يجذب منها نفسا عميقا فتصدر صوتا أشبه بقهقهة رجل بدين .
كان من يراه في جلسته هذه يظن أن هارون الرشيد قد بعث إلى هذا العصر مرة أخرى .
لم يكن قد تعد الستين من عمره , ولكنه بدا أكبر من هذا بقليل . كان ضخم البنية , يميل الى السمنة , له بشرة بيضاء مشربة بحمرة خفيفة , وشارب كثيف لم تعد فيه شعرة سوداء واحدة . وبرغم التجاعيد , وبرغم فعل السنين بدا الرجل إلى حد ما بهي الطلعة .
أزاحت إسلام الكتاب قليلا , وأخذت تتطلع إلى أبيها خفية وتتأمله : هذا هو السيد عبد المجيد الذي يحترمه الجميع ويخافه الجميع , وهو لا يهاب أحدا ولا يخاف أحدا .
آه يا إسلام ... إن أباكِ لم يخف حتى من الله , لم يخف حتى من خالقه .
لماذا يا أبي ... أين كان ضميرك يوم أن فعلتها , اين كان ضميرك يوم أن فعلتها , أين كان ضميرك يوم أن رميت بأمي المسكينة وسط أمواج الحياة دون رحمة , وحيدة ... ضعيفة , أين كان ضميرك يوم أن انتزعت طفلتها من بين أحضانها وتركتها تحترق لوعة وأسى ؟ أسفي عليك يا أبي .. أسفي عليك !
وانتبه الرجل لوجودها ...
- إسلام ... أنتِ هنا , لم أشعر بكِ عندما دخلتِ الغرفة , يا لكِ من قطة شقية .
ولم ترد الفتاة وظلت تحملق فيه فقال مداعبا :
- مابالك تنظرين إلي هكذا .. ألم تري شابا جميلا مثلي من قبل .
وحاولت الفتاة أن تبتسم ....
- يا لك من ابنة قاسية القلب , تتركين أباكِ العجوز يتناول طعامه وحيدا ... ولكن ما رأيكِ في العنب الذي اشتراه محسون اليوم , إنه كبير الحجم وفي غاية اللذة , إن الحبة الواحدة منه أكبر من أنفك ....
وانطلق يضحك بصوت عال ... ولكن الفتاة بقيت على صمتها , وأدرك الرجل أن هناك شيئا يضايقها أو يشغل بالها , فتشاغل عنها بجريدته بعض الوقت ثم عاد ليسألها :
- ما بالك يا ابنتي ... هل هناك شيء في الأمر ... أخبريني ؟ ...
ولم ترد . ولكنها قامت من مكانها واتجهت إليه و جلست أمامه . وقالت وهي تحاول أن تصطنع المرح :
- أبي ... حدثني قليلا عن طفولتي ..
- ولكنكِ ما زلتِ طفلة . هل تظنين أنكِ قد أصبحتِ شابة ؟
- لا تسخر مني يا أبي .... أرجوك ان تحدثني عن طفولتي ...حدثني عن أمي ..
وتغير وجه الرجل ... وقال مراوغا :
- أنا أبوكِ ..... وأنا أيضا أمكِ .
فقالت الفتاة بشيء من نفاذ الصبر :
- أبي ... أرجوك أن تحدثني عن أمي .
- وماذا تريدين مني أن أقول لكِ ؟ لقد حدثتكِ عنها قبل هذا مئة مرة .!
- كنت صغيرة . ونسيت كل ما قلته لي , هيا يا أبي .. هيا حدثني عنها .
وأخذت تنظر إليه في شيء من التحدي . بدا مضطربا لا يعرف من أين يبدأ وماذا يقول .
وأخذت تحدث نفسها ... هيا يا أبي فلنبدأ رحلة الأكاذيب . دعني أرى وجهك ولأول مرة في حياتي وأنت تكذب . هيا يا أبي أسمعني حكاياتك الملفقة , أسمعني كيف حاولت لسنوات طويلة أن تخفي آثار فعلتك الشنعاء .
وبدأ الرجل يتكلم ....
- إن أمكِ كانت ابنة لرجل عظيم من كبار رجال الدولة في تونس . أتى يرأس وفد بلاده للحج ومعه زوجته وابنته وقامت بيننا صداقة قوية . فزوجني ابنته , وأقمنا الأفراح ثلاث ليالِ متواصلة .
وعندما كنتِ في الثالثة . اصطحبتني في رحلة عمل الى جزيرة جاوة . ويبدو أنها لم تتحمل مشقة السفر فمرضت وماتت , واضطررت الى دفنها هناك , وعدت وحيدا .
لكم تألمت لها ولفقدها !!
وتمتمت الفتاة في تهكم شديد : شيء مؤثر ... مسكين يا أبي , يالك من زوج وفيّ !
وصمت الرجل لفترة , وشرد بعيدا , واكتست وجهه لمحة من حزن , ونظرت إليه الفتاة ...
كانت في عينيه نظرة غريبة لم ترها من قبل , وبعد قليل أخذ يتكلم بصوت حزين أحست فيه نبرة الصدق ...
- لقد كانت أمكِ امرأو رقيقة , لم أر في حياتي امرأة في رقتها , كانت خجولة جدا . كانت تخجل حتى مني أنا , لقد أحببتها كثيرا يا ابنتي . كان شعرها ناعما كالحرير . أسود كالليل . وأغرب ما في الأمر ... لون بشرتها . كانت لها بشرة سمراء خمرية ورثتها عن أم هندية ...
- أو كانت أمها هندية .. ؟
وفوجيء الرجل . وارتبك . وقال متلعثما :
- لا أدري ... أقصد ربما كان ذلك ... يبدو أنني قد أخطأت في التعبير ... هيا قومي إلى كتابك , ودعيني أكمل صحيفتي , ليس عندي المزيد لأخبركِ به .
ولم تزد الفتاة كلمة واحدة , وقامت من فورها , وعادت الى مكانها واصطنعت الإنهماك في القراءة .
أحببتها يا أبي ...؟ تقول أنك أحببتها لرقتها ! ألأنك أحببتها لفظتها من حياتك ؟ ! ألأنها كانت رقيقة بالغت في قسوتك عليها ..؟ أخبرني بالله عليك ماذا كنت تفعل لو أنك كرهتها . أو أنها كانت إنسانة شريرة سليطة اللسان . أخبرني ماذا لديك أيضا من فنون القسوة والتعذيب .. ؟ !
وأنا ... ألم تفكر في مصيري يوم أخذتني من بين أحضان أمي . أم ظننت أن في استطاعتك أن تعوضني حنان أمي وحبها ؟!
وتنهدت الفتاة , وألقت برأسها للخلف وأغمضت عينيها ....
لا يا أبي إنك لم تحاول يوما أن تعوضني عنها ... لم تحاول أن تكون لي أما بدلا منها . إنك حتى لم تحاول أن تكون أبا .... أبا حقيقيا يملأ حياتي حبا ورقة وحنانا .
لقد حاولت كثيرا أن أمحو من ذاكرتي أيام طفولتي الشقية . عشت وحيدة في هذا البيت , منذ أن فتحت عيني على هذه الدنيا ... عشت وحيدة .
كم كان عمري وقتها ... ؟ خمس سنوات ... ست سنوات ؟؟؟ لا أدري .. ولكني أذكر جيدا مدى ما كنت أحس به من وحدة وخوف وأنت معي يا أبي , تحت سقف بيت واحد .
كنت أستيقظ من نومي مذعورة , وأشعر برغبة في ان ألجأ إليك وأرتمي بين أحضانك لأحتمي بك .... لأحتمي بك يا أبي ... وأظل أبحث عنك في أرجاء البيت أبكي خائفة ملهوفة .
وغالبا ما كنت أجدك في هذه الغرفة , نعم يا أبي ... لا زلت أذكر هذه الغرفة جيدا وقد ضجت بالرجال , والدخان , وأكواب الشاي , والجميع ينظرون إليك في إعجاب , وصوتك وضحكاتك تجلجل بينهم .
وبمجرد أن تراني .... تختفي الضحكة تماما , ويتغير تعبير وجهك .
كنت أعجب يا أبي , كيف كان يمكنك أن تتغير بهذه السرعة فيصبح وجهك مقطبا ونظراتك قاسية .... وتزجرني كأني كلب أجرب رأيته يقف على بابك .
وفي بعض الأحيان , كنت أفر عائدة إلى غرفتي وقد ازددت خوفا , وازددت ارتباكا . وأحيانا كنت اندفع إليك غير مبالية , وأحاول أن احتضنك رغما عنك .. وأقبلك رغما عنك . فتدفعني بعيدا وتصرخ مناديا محسون :
- محسون ... ألم أقل لك مائة مرة ألا تدعها تأتي إلى هنا ... يا لك من غبي , احملها إلى غرفتها , ليس لدي وقت لهذا .
نعم يا أبي ... لم يكن لديك وقت لتحتضن فيه ابنتك , ولكن كان لديك وقت للأصحاب والضحكات والنوادر .
ومرت الأيام ... ومرت السنون , واعتدت على الوحدة , واعتدت على الخوف , واعتدت على اهمالك لي .
أصبحت لا أبرح غرفتي إلا نادرا , ولا أجلس معك إلا على مائدة الطعام , ولا أنظر إليك إلا من بعد .
وفي بعض الأحيان , كانت يدك تمتد عن غير قصد فتمسح على شعري وأنا أقف بجانبك , ويدب الأمل في صدري ... ربما يا إسلام ... ربما سينحني أبوكِ بعد قليل ويقبلكِ ويحتضنكِبين يديه , ولم لا ... ربما حملكِ أيضا بين ذراعيه وقال لكِ أنه يحبكِ كثيرا , بل ربما أخذكِ معه إلى النزهة .
وهكذا ... أظل أحلم وأحلم , ولا أفيق إلا بعد أن تكون قد ذهبت بعيدا وتركت في يدي بعض النقود ....
وفي أيام الأعياد , كنت أقف بين الخدم , نتلقى جميعا منك النقود والهدايا .
كم حاولت أن أنسى هذه اللحظات ونفسي ذليلة , وقلبي يقطر أسى . لم أكن أشعر أن لديك أي فرق بين ابنتك وبين خدم البيت , لم يكن هناك فرق عندك بيني وبين محسون الخادم .
آه يا أبي ... كم تألمت منك , وكم كنت في حاجة إليك وأنت لا تدري .
والغريب أنك كثيرا ما كنت تسألني إن كنت أحتاج شيئا أو أن كان هناك شيء ما ينقصني ... وكنت أنظر إليك وانا أكاد أصرخ في وجهك ....لا يا أبي .. لست في حاجة الى المال ... لست في حاجة الى الطعام ولا إلى الملابس ... ليس هذا ما أريده منك , إنني في حاجة إليك أنت يا أبي , في حاجة إلى محبتك , ولكن ماذا أقول لك وأنت لا تفهم .. ولن تفهم أبدا ..؟؟
وبمرور الأيام فقدت حتى الأمل ... وتعلمت أن أعيش بغير أمل .. وظننت أن حبك قد مات في صدري ...
ولكني كنت مخطئة ... لقد أحببتك يا أبي ... أحببتك طوال عمري .. ولم أعرف قدر هذا الحب إلا عندما مرضت , وأحسست أني على وشك أن أفقدك .
كنت يومها منهمكة في مراجعة دروسي ..وأحسست بضجة غير عادية في البيت . وأسرعت خارج الغرفة . كان هناك رجال كثيرون عند باب غرفتك , والخدم يتحركون بسرعة , وقد ارتسم القلق على وجوههم ..
وشعرت بانقباض في صدري ....
وحاولت أن أفهم ماذا حدث ... فلم أستطع , ولم يهتم أحد أن يجيبني , وأخذت أجري كالمجنونة أسأل كل من يصادفني ... ماذا حدث لأبي ... ماذا حدث لأبي ..؟؟ ولم تكن الإجابة تزيد عن ... لا شيء , لا تشغلي بالك , أباكِ بخير , أو إن أباكِ متعب قليلا ... وهكذا حتى فقدت أعصابي .
وأخيرا اندفعت إلى محسون وسألته :
- محسون هل مات أبي ...؟
واهتز الرجل وأجابني على الفور :
- لا تقولي هذا يا ابنتي , إن أباكِ بخير, ولكن أصابه إغماء منذ الصباح , ولا يزال الأطباء معه حتى الآن , يقولون أن هناك شللا ً أصاب ساقيه و ....
ودارت الدنيا من حولي ولم أشعر بشيء بعد ذلك .
وعندما أفقت كانوا قد نقلوك الى المستشفى . وأخبروني أن زيارتك قد منعت . وحاولت المستحيل لأذهب إليك دون فائدة .
وبعد ثلاثة أيام , اصطحبني محسون إلى المستشفى وأنا أشعر أن قلبي يرتجف لهفة عليك .
ووقفت على باب غرفتك أنظر إليك
كنت ترقد في سريرك مستسلما يا أبي , وبدا وجهك شاحبا وعيناك نصف مغمضة , كان يبدو وكأنك لا تعي ما يدور من حولك تماما .
ولكن عندما رأيتني , نظرت إلي في حب , وابتسمت لي في ضعف شديد , ابتسامة هزيلة اهتز لها قلبي .... ولم أدرِِ كيف اندفعت إليك كالمجنونة أقبل وجهك وقدميك ويديك ... وكلما نظرت إليك ورأيت هذه النظرة في عينيك إزداد جنوني , وازدادت لهفتي .
وعدت إلى البيت , وحيدة , حزينة , ونظرتك لا تفارقني .
آه يا أبي !!! ... لماذا أحييت الأمل مرة أخرى , لماذا جعلتني أحس بكل هذا الحب في عينيك ؟؟ لماذا جعلتني أشعر أنك لولا ضعفك لاحتضنتني وضممتني إلى صدرك ...؟
وعشت أنتظر عودتك إلى البيت , وأعد الأيام والساعات والأمل يداعب أحلامي .
وعدت يا أبي .. وعاد البيت يضج مرة أخرى بالرجال والزائرين والأصدقاء , لم يكن لي مكان بينهم .
ومرت الأيام , ومرت الشهور وبالتدريج خف الضجيج , وخف الزوار , وابتعد الأصدقاء , منهم من نسي ومنهم من تناسى .
وعدت ابحث عن هذه النظرة في عينيك ..... فلم أجدها .
كنت أجلس أمامك طوال النهار على أن ألمح تلك الإبتسامة على شفتيك مرة أخرى دون فائدة .
كان وجهك حزينا ... نظراتك حزينة .. وحاولت أن أخفف عنك , فلم أستطع . حاولت أن أقنعك بالعودة الى الحياة مرة أخرى ... إن الشلل قد أصاب إحدى ساقيك ولازال يمكنك السير بشيء من المساعدة , أو باستعمال عكاز وصفه الطبيب فباءت محاولاتي بالفشل , ولم تقتنع , فضلت الإنزواء والموت البطيء على ان يراك أحد ضعيفا أو مريضا , او حتى لا ترى نظرة الشفقة في عيون الناس.
يالكبريائك يا أبي .....ومرت الأيام ..متشابهة بطيئة , ووجهك يزداد حزنا , وتزداد انطواءً .
وفي يوم طلب محسون إجازة ليسافر إلى حائل فقد تلقى رسالة من زوجة ولده تخبره فيها ان حالته الصحية قد تدهورت ولابد من حضوره .
وخلا البيت إلا مني ومنك .... أصبحت أعد لك الطعام كل يوم , وأجلس أمامك على الأرض لنأكل سويا . كنت أساعدك في سيرك .. وفي حمامك , وأساعدك في ارتداء ملابسك .
كنت سعيدة يا أبي . لم أكن أطلب أكثر من ذلك , يكفي أنك كنت تتكيء على كتفي في سيرك , وكنت تناديني كثيرا عندما تحتاج الى شيء , يكفيني أنني أصبحت قريبة منك , يكفيني أنني أصبحت ولو خادمة في حياتك . وتمنيت ألا يعود محسون مرة أخرى .
وبينما كنت يوما في ركن الغرفة اقرأ كتابا , لاحظت أنك تطيل النظر إلي , ولكني لم أعط الأمر أي أهمية , وظننت أنك ربما ستطلب شيئا ما .. وسمعتك بعد قليل تناديني :
- إسلام ... ماذا تفعلين يا ابنتي ...
- أراجع دروسي يا أبي
- ولماذا تجلسين بعيدا هكذا ... اقتربي هنا ... ألا تحبين الجلوس بجانب أبيكِ ؟
ولم أصدق نفسي ...وقمت على الفور , وجلست أمامك , وقلبي يخفق بعنف وقد جف حلقي , وأحسست ببرودة في أوصالي , ولكني حاولت أن أخفي انفعالي .
وأخذت تتأملني قليلا ....
- لقد أصبحتِ شابة يا إسلام ... لقد أصبحت لي ابنة شابة .
وضممتني في رقة بالغة وقبلتني في وجنتي .
وذهلت ...
وأخذت أنظر إليك غير مصدقة , وأنفاسي تتلاحق
وعدت وضممتني إليك مرة أخرى , وأخذت تمسح على شعري وتربت على كتفي .
ولم احتمل أكثر من ذلك ... فانهمرت دموعي ... وأخذت أبكي كطفلة صغيرة
- لا تبكي يا ابنتي ... إنني بخير , لا داعي لكل هذا البكاء ... لم أكن أعرف أنكِ تحبينني لهذه الدرجة ... كم أنتِ رقيقة يا ابنتي !
ولم تفهم يا أبي ... لم تفهم إلى اليوم , لماذا ظللت أبكي لساعات طويلة , وكلما ازددت رقة , انهمرت دموعي وازداد بكائي , حتى لم أعد استطيع التحكم في نفسي ...
ومن يومها أصبح لي أب حقيقي ... يحبني , ويشتاق لرؤيتي ويسأل عني ويأنس لوجودي , ويضمني أحيانا الى صدره .
لم أعد افترق عنك , أصبحت لا آكل إلا معك , ولا أجلس إلا معك , ولا أفارق غرفتك إلا للضرورة , أو في المساء عندما أذهب الى فراشي .
كنت أخاف ان ابتعد عنك قليلا , فتنساني مرة أخرى .
وكثيرا ما سألت نفسي عن سبب هذا التغيير الذي حدث لك , كيف تغيرت بهذا الشكل يا أبي , ولماذا أخفيت محبتك طوال هذه السنين , وكيف ظهرت الآن ... كيف ؟؟؟ ولكني لم استطع ان اجد الجواب ابدا
حتى كان ذلك اليوم ....
كنت قد لاحظت شرودك من أول النهار , كان واضحا ان هناك شيئا ما في الأمر... شيئا يزعجك ويقلق راحتك لدرجة جعلتك مكتئبا ساهما .
وفي النهاية سألتني ...
- إسلام ... كم عمرك الآن يا ابنتي ... خمسة عشر ... ؟
- تقريبا يا أبي ... ولم السؤال ؟
فصمت قليلا ثم قلت مترددا :
- لقد حضر اليوم لزيارتنا هشام ابن عمك الأسعد , وقد تقدم ليطلب يدكِ مني .
وأحسست أن قلبي توقف ... ستزوجني يا أبي ... ستزوجني وتبعدك عني مرة أخرى ... هكذا سريعا ... ؟ ... ولكنك أكملت :
- وقد قلت له إنك ما زلت صغيرة , وأن عليه أن ينتظر سنوات أخرى , ولكني وجدت أنه من الأفضل أن أسألكِ لأعرف رأيكِ .
وأحسست بسعادة غامرة ....
- آه يا أبي ... لقد أفزعتني , ليس لدي غير رد واحد , وهو أنني لست على استعداد أبدا لأبتعد عنك , لا أريد أن أتزوج يا أبي , لا أريد أبدا ...
وشعرت أنك تتنهد في ارتياح ....
- يا بنيتي الحبيبة ... وأنا أيضا لست على استعداد لأن تبتعدي عني . صدقيني , لقد ملأتِ حياتي , وشعرت بالخوف عندما أحسست أنكِ ستبتعدين عني , لقد أصبح أبوكِ عجوزا مريضا لا يستطيع الإستغناء عنكِ يا إسلام .
ودوت الكلمة في أذني ....
عجوزا مريضا ... عجوزا مريضا لا يستطيع الإستغناء عني ... هكذا إذاً يا أبي ... الآن عرفت السبب في التغير الذي حدث لك .
وأصابتني الفكرة بانقباض في صدري , وحاولت التهرب منها ... ولكن ما الفائدة ... إنها الحقيقة .
نعم إنها الحقيقة يا أبي ...
لقد أحببتني عندما أصبحت في حاجة إلى حبي , وتقربت مني عندما أصبحت في حاجة إلى قربي منك , وأعطيتني لتأخذ مني بقدر ما أعطيت .
لست أدري لماذا أفكر الآن في كل هذا , صدقني ليس هناك شيء كان يمكن ان يؤثر في حبي لك , وتعلقي بك , فحاجتي إليك كانت أكبر من حاجتك إلي . ولكنك لم تكن تدري ...
وتنهدت الفتاة وقامت من مكانها .
- أبي ... سوف أصعد إلى غرفتي , هل أنت في حاجة إلى شيء أحضره لك ؟
- شكرا لكِ ... ولكن ألم يزل الوقت مبكرا , هل أنتِ متعبة ؟
- قليلا ... وأشعر برغبة في النوم , كما أني قد وعدت بعض صديقاتي أن نذهب كل يوم الى المدرسة في وقت مبكر , ونستذكر سويا هناك , فهذا أفضل لنا .
- كما تشائين .... تصبحين على خير يا ابنتي .
- تصبح على خير يا أبي
وانطلقت إلى غرفتها .