الغيوم تشح والأرض تبور والناس تزلزل والأمراض تتفشى جنوناً من أول بقرة حتى آخر من أكلها.
من أنفلونزا أصغر الصيصان وحتى أشيخ الصقور، الشوارع تتسخ والفئران تتزايد والبطالة تلون صور الشباب وآمالهم وتطلعاتهم، والانفجارات تدوي بحراً وبراً وجواً في العقول والطبول والأفكار.
لكني أفرح حينما أكتشف بعد كل انفجار أن لا عقل، لا عقل لدي ولا فكر، وأن نسبة الأدرينالين في دمي لم تفض بين كل انفجار وأخيه، وأتلمس روحي التي لم يبق غيرها من الأحباب والأقرباء والأصدقاء، ولم يبق لي غيرها من كل الأرواح، أكانت روح المؤامرة أم روح المغامرة أم روح النعناع.
ليس لأن مبادئي اليوم ترتكز على مفهوم «يا روح ما بعدك روح»، وليس تيمناً بأغنية الرحابنة «روح ولا تجي وكذوب عليّ»، فأنا لا يهمني إن كذبت عليّ أم صدقت، طالما أن يوماً ما، يوماً ما بعيد... بعيد... بعيد، سنعرف الحقائق كلها بميليس أو من دونه. لذا قررت ألاّ ألعب دور ميليس في أي تحقيق يخص ما قالت عني فلانة، وما قلت أنا عن علانة، أو لو كانت إحداهن سجلت المكالمة، لاستغنيت عن كل الصديقات، وعلى فكرة قريباً سأستغني عن كل الشاشات ما عدا شاشة الأسهم المحلية بالتحديد، فلا يهمني غير شركاتها ابتداء بـ «الراجحي» وانتهاء بـ «الاتصالات».
لست مهتمة بما يحصل على بقية الشاشات، أكانت تورد خبراً عاجلاً أم تجتر متأخراً أم ترقص لبنانية على أنغام خليجية. لا، لا تهمني ولا يهمني حال بورصات العالم ولا عملاتها ابتداء بالدولار وانتهاء بالمارك، يصغر العالم فيصغر عقلي، وأتعلق بغرفة نومي، ولست بشاكية ولا باكية، فأرجوك ألاّ تتعاطف معي.
لا يهمني ولن يهمني إن تحررت الأراضي الفلسطينية أو المرأة العربية أو حتى استعبدت، ولا يهمني إن اجتاحت الأعاصير أميركا واحدة أو أميركتين أو الفيليبين أو حتى الكرة الأرضية. ألم يهددونا أن «الأوزون» تتسع رقعته، ولست أدري جيولوجياً ماذا يحدث به، فماذا حدث؟ لا أنا أسهمت في إصلاحه ولو اتهموني أنني السبب في ذلك، فماذا؟ لست أفهم ما الذي جرى له؟
أنا في الأصل لا أفهم شيئاً، حتى بتُّ لا أفهم ما كنت في أمسي أفهمه: الحنان، الطموح، الحماسة، الاندفاع، النجاح، المعرفة، القراء، الخريف، الربيع، البرد القارس، الصيف الحار، المحبة، الحوار، لم أعد أفهم ولا أريد أن أعرف شيئاً عن الفقراء، التبرعات، التعليم، التدريب، التوجيه، التربية، ولا قلّتها، الأدب ولا قَّلته ولا زيادته. لا أريد ولست بمهتمة. سأبقي على الواجبات.
أنتم تحبون من الناس من يؤدي الواجب معكم ولو كان ذئباً في ثوب أرنب، تفضلوا سأعطيكم كل واجباتكم، وكأنني أحل واجباً مدرسياً، أكان عائلياً أم اجتماعياً أم حضرياً أم بدوياً أم قبلياً أم عالمياً. لا أهتم.
طالما في استطاعتي أن أهرب منكم كلكم وأخباركم العاجلة ونسائكم المؤجلات ورجالكم المعلبين، يا عالم الغموض والفوضى دعوني وحدي، وحدي نفسياً وطبقياً وجغرافياً وتاريخياً، فهل استرحتم مني؟ أنا لم أعد أثق في أحد، ولم يعد عندي من كل تعداد نسمات الكرة الأرضية، أي صديق أو أي عدو. أنا ما عندي سوى النسمات أعدّها، فهل استرحتم...؟